مياه الربيع لإيفان بروغينيف

مراجعة رواية مياه الربيع لإيفان تورغينيف || حكاية كل رجل ضعيف!

رواية “مياه الربيع” هي بدايتي مع أعمال إيفان تورغينيف.. لكنها ليست بدايتي مع الأدب الروسي الذي مررت بانتقالات عاطفية كبيرة معه. تارةً أحبه، وتارةً أكرهه.. إلى أن وصل بي الحال الآن إلى تفضيله بعمق، ومعرفة ما به من لمساتٍ إنسانية، استطاعت بطريقة ناسبت حقبة الأدباء الروس آنذاك وصف انفعالات الإنسان وتحليل دوافعه.

أيتها السنون الفرحة

أيتها الأيام السعيدة

ما كان أشبه جريانك

بجريان مياه الربيع.

أغنية روسية قديمة.

تمهيد

من الظلم أن أقارن رواية مياه الربيع.. بروايات دوستويفسكي مثلا أو أعمال أنطون تشيخوف. لكن على الرغم من هذا، لــ “مياه الربيع” طعمٌ مميز وغريب.. فيها بُعدًا متشابكًا من الألم والحيرة.. ستستفزك بقوة… وبقوة مستفزة ستتابع حكاية ذكريات رجل ضعيف!

لا تفهم جملة الرجل الضعيف بأنه ضعيف الجسد، مبوءٌ بالأمراض.. لا أبدًا! فصديقنا بطل الرواية ” سانين” أو ديمتري سانين.. هو رجل قوي البنية.. اعفني من وصفه ولننظر كيف وصفه الراوي: ” كان سانين فتى جميلا جدا، فارع القامة رشيقًا، ذا قسمات لطيفة غائمة قليلا…” ويقول أيضًا: “وكان في جسمه نضارة وصحة”..

إذا سانين ليس ضعيف الجسد، لكنه ضعيف النفس والإرادة.. وهو ما ستتعرف عليه بمجرد قراءتك للرواية.. بدايةً من حبه غير المبرر -حبه الأول- للحسناء الإيطالية “جيما” ومرورًا بانفعالاته المتتابعة على مدار الرواية إلى أن تصل لوقوعه في حبال السيدة الروسية الثرية ” ماريا نيقولاثينا”.

مياه الربيع باختصار:

– القصة:

شاب روسي سائح في “فرنكفورت” بألمانيا، تتبدل حياته قبل سفره بساعات قليلة بعد دخوله دكان لبيع الحلوى الإيطالية.. لتتوالى أحداث غريبة وانتقالات، أقل ما يقال عنها، أنها شطحات غيرت حياته!


– المكان:

تدور جل أحداث الرواية في “فرنكفورت” بألمانيا.. وأراه مكانا مناسبًا لأن تورغينيف استطاع إظهار معرفته الجيدة به ودمج تفاصيله مع أحداث الرواية بصورة جيدة.. وكما قرأت فإن رحلة “تورغينيف” إلى ألمانيا هي التي ألهمته لكتابة “مياه الربيع”. لهذا السبب ولغيره، تعتبر الرواية سيرة ذاتية، عبر فيها “تورغينيف” عن أفكاره وأحاسيسه ومخاوفه!

إيفان تورغينيف كاتب رواية "مياه الربيع"
إيفان تورغينيف

– أما عن الزمان:

فقد حدده الرواي بأنه في 1840 (لكن هناك انتقالات زمنية في الرواية).. على الرغم من أنها نشرت بطبعتها الأولى عام 1872م.. وهو زمنٌ كانت تمر فيه أوروبا ببعض أهم التغيرات التي حاول أن يصفها تورغينيف بانتقالاته الزمنية.

إن مياه الربيع ترينا كيف تستطيع المرأة أن توقع أشد الرجال حبًا في شباكها..


– شخصيات مياه الربيع :

عرض تورغينيف في مياه الربيع العديد من الشخصيات المتنوعة. منها شخصيات هامشية كـ “إيميليو” مثلا. وهناك شخصيات أثرت في الرواية على الرغم من ضآلة ظهورها كـ “بانتاليون” ومدام روزيلي.. ولكنني سأتحدث هنا عن شخصيتين رئيسيتين.. طرفا المعركة الحقيقة.

الأول: سانين.. ديمتري سانين:

تظهر لك شخصيته في البداية بأنه مُحب للحياة والسفر (حينما كان شابًا بالطبع!) وكيف أنه آمن بحبه الأول الذي أحدث ثورة قلبت حياته كليًا.. لذلك قال الرواي:

إن الحب الأول ثورة! ثورة تحدث انقلابًا في مجرى الحياة التي تسير على وتيرة واحدة، تحدث هذا الانقلاب في لحظة: فليصعد الشباب على المتراس، ويغرس هنالك رايته الساطعة التي تخفق عاليًا، لا يحفل يما ينتظره- موتا كان أو حياة جديدة- فهو يحيا النهار الجديد الذي يطلع، كائنا ما كان، ويتحدى المستقبل.

لكنه على الرغم من أنه من طبقة النبلاء وعلى الرغم من أفكاره المجردة عن الحب والعفة والشرف.. لم ينتفع بأي شيء منها حينما اختبر فيها! فالكل متدين حتى تأتي الفتنة كما يقولون! فهو في النهاية، وحقيقةً، رجل ضعيف.. حاول الراوي أن يصفه بجمل قويّة منها:

– إن الرجال الضعاف لا يحسمون المسألة أبدًا، بل ينتظرون أن يزول الموقف الحرج من تلقاء نفسه.

– إن الرجال الضعاف يستعملون الكلمات القوية العنيفة حين يتحدثون إلى أنفسهم..


وهذا فعلا ما ستجده حين تقرأ مياه الربيع، فسيتضح لك أنه كان من السهل- جدًا- أن ينتهي كل هذا العبث بقوله لماريا نيقولاثينا، المرأة اللعوب : “لا اعذريني! لا أرى غرضًا للمكوث!”ولكن في باطنه، كان يشعر بانجذاب خفيّ لم يركز الرواي على إظهاره، ولكنه كان موجودًا وحاضرًا بقوة..

ليكون في مواجهة عنيفة بين حبه الأول لجيما، ونزوته الشيطانية الغريبة لماريا.. إن له مشاعر في الحالتين.. كأنه اثنان في جسد واحد حتى وصفه الرواي: “لقد صدق حين قال أنه أصبح لا يعرف نفسه.. إنه الآن مسحور!”


الشخصية الثانية: ماريا نيقولاثينا:

هي امرأة غنية لن تراها بصورة نمطية.. فهي مرحة، ذكية للغاية، تلعب بالنفوس وبالفلوس كما شاءت! أوضحت دوافعها ببراعة منقطة النظير وبسلام نفسي كبير.. فقالت:

إنني لا أكره التفكير… فإنما وهب الإنسان عقلا ليفكر… ولكنني لا أفكر أبدًا في النتائج التي يمكن أن تنجم عن أعمالي.. إنني أنساق حين يجب الانسياق، فلا أهتم ولا أقلق.. شعاري: ” ليكن ما يكون”.. وفي هذه الحياة الدنيا، لا حساب… أما في الحياة الأخرى، أما في السماء (قالت ذلك ورفعت أصبعها نحو السقف)… هه… فليصعنوا بي ما يشاءون! حين يحكمون علي في الحياة الأخرى، فلن أكون أنا نفسي!


بهذه الجمل الرنانة القويّة، تعرب لك عن شخصيتها وكيف أنها تستخدم المنطق لتبرر عواطفها .. وبذلك حاول الكاتب إدخالنا في صراع مباشر بين أفكار الإنسان المثالية وأفعاله! فهي شخصية تتندر بفكرة الحساب الإلهي وتفعل ما يحلو لها.. ونفوذها يحميها من توابع ذلك في الدنيا ..

إلا أنها لم تستخدم أموالها للإغراء بسانين.. بل اعتمدت على ألعابها الذكية ونقاشاتها.. وكانت بهذه الاعتقادات تشعر بأن كل شيء جائز.. وبذلك جسدت معنى الحرية المقدسة التي صارت عبدة لها.. فهي شخصية جشعة.. لا قيود على رغباتها أو نزواتها.. فهي سيدة وعبدة “الآن”!! يصفها الراوي:

” وكانت ماريا نيقولاثينا تنظر قدما إلى أمام تعانق بنظرتها الأفق كله، حتى كأن روحها تلتهم كل ما كانت تراه: تمتلك الأرض والسماء والشمس وحتى الهواء. وما كان يؤسفها إلا شيء واحد: لماذا لا تصادق إلا عقبات قليلة؟؟ إنها تود لو تنتصر انتصارات أخرى، انتصارات أخرى!”


النقد:

(1)

  • يقص “تورغينيف” روايته بطريقة الراوي الخارجي، فيضيء لنا نبذة عن مشاعر بطل مياه الربيع وهو يحارب ذكرياته.. ليقدم بعد هذا تفصيلًا حيّا لهذه الذكريات في صورة “ استرجاع فني -flashback“. وكما تعلم، هذه الطريقة مثيرة، وتجعلك متأهبًا للنهاية.. وتقلل من الملل.
  • وأنا أتفق على هذا، فلم أشعر بمللٍ عند قراءتي للرواية، لكنني أيضًا لم أشعر ” بلهفة”!! تمنيت لو أكثر تورغينيف من التفاصيل النفسية لأبطاله..
  • ربما تعتبر فكرة مياه الربيع الأساسية كلاسيكية مبتذلة نوعًا ما. لذلك لن ترى ما يثير اهتمامك في القصة نفسها، ولكن دعني أوضح أن هذه الكلاسيكية كانت واقعية لحدٍ كبير.. فكم من رجل قويّ البنيّة، ضعيف الإرادة، تغويه امرأة لعوب؟؟ إن مياه الربيع ترينا كيف تستطيع المرأة أن توقع أشد الرجال حبًا في شباكها..
  • يتجلى هذا في قصة سانين مع ماريا نيقولاثينا. والتي أعجبتني شخصيتها جدًا. أعتقد أن الكاتب “إيفان تورغينيف” استطاع رسم أبعاد شخصيتها بحرفنة! فإنها تعلم منذ البداية ماذا تريد، وكيف تصل إليه، وكل أفعالها منطقية بالنسبة لسير الأجداث. والأهم من ذلك، واقعية شخصيتها وأنها ليست نادرة على الإطلاق.. إنها شخصية ما زالت موجودة، ويمكنك أن تراها كل يوم (باختلاف الثقافات والبلاد وحتى المستوى الاجتماعي!).
  • نجح “إيفان تورغينيف” في حثي على التفكير في الخروج من شباك المرأة اللعوب “ماريا”، وجعلني أتساءل هل كان من الصعب أن يتخلى سانين عن رغبته في بيع أرضه ليشتري حبيبته؟؟ لكن المفارقة المحزنة- والواقعية- أنه أراد الزواج من “جيما” الفتاة الإيطالية الجميلة.. ولكن الزواج يحتاج مال؟!
  • فيقرر بيع أرضه، غير أن المشتري (وهي ماريا نيقولاثينا) لم تكن تريد أرضه، بل كانت تريده.. لقد باع نفسه، باع حبيبته، باع حبه الأول متوهمًا في البداية أنه يحافظ عليه.. محاولًا أن يسلي نفسه بقوله: ” ثم إن الأمر لن تكون له نتائج خطيرة!

(2)

  • لم يستطع تورغينيف أن يصف مشاعر شخصياته بدقة أو يحلل دوافعها على التساوي.. لكنه آثر على ذلك أن تبحر بخيالاتك وبتجاربك الخاصة لتسدَ فجوة أفعال الشخصيات غير المنطقية! وهو بذلك يعطيك حرية في مشاركته التأليف. ولكن الحق يقال: أنها حرية مستفزة! فإنك تدرك للأسف أن كل ما تقرأه مهزلة!
  • ولكنها الحياة للأسف! لا أبالغ وأقول إن هذه الرواية قصّت الحياة.. لا، هذا لم يحدث.. ولكنها عرضت جزءًا منها بكل تأكيد..
  • كما لم تعجبني النهاية أبدًا. فبقطع النظر عما بها من ” تكثيف” لم أفضله.. فهي أيضًا لم تتناسب مع عذاب “سانين” النفسيّ والذي أطلعنا عليه الرواي من البداية وأكدّه في النهاية.
  • لاحظت أيضًا ربطًا لطيفًا بين قصة مياه الربيع و“قصة الإنياذة“.. وفكرة ربط ” ماريا” بالآلهة القديمة التي لم يعنيها الزواج.. وكانت تنذر “إنياذ الصالح” بالسفر من قرطاجنة بعدما وقع في حب الأميرة “ديدو” ولم يملك “إنياذ” غير الرضوخ لأوامر الآلهة.. التي هي في رواية مياه الربيع “ماريا”.. وسفره من ألمانيا إلى فرنسا!
  • هذا الربط لم أختلقه من عندي، بل يتبين لك هذا حين اجتمع “ماريا” و”سانين” في الغابة.. كما جاء في الرواية: ” وهناك دمدمت تقول وهي تلتفت إلى سانين: “انياذ”.. وهذا اسقاطٌ واضح.
  • بعض الأشياء التي لم تعجبني في السرد هي التناقض الواضح بين ما يقصه الرواي، فعلى سبيل المثال قال: واستسلم لمشاعر الحب الأول التي لا حاجة بنا إلى وصفها هنا.. فإن من كابدها يعرف ما فيها من عذاب ولذة، ومن لم يكابدها فلا سبيل له إلى تصورها. ثم أتى بعد صفحات قليلة ليصف هذا الحب بــ ” إن الحب الأول ثورة…. الخ”
  • كما أن هناك جزئيات كثيرة سطحية وساذجة.. بل وعاطفية إلى حد “المحن!!” مثلا حوار السيدة “لينور” مع سانين.. (حينما أرادته أن ينصح ابنتها جيما) لكن بشكل عام، انتقالات الرواية جيدة، واستطاع تورغينيف جعلي أرغب في مواصلة القراءة لأعرف المزيد.

الحب اتصال مقدس.. تتندسه النزوات.. إن شره الإنسان في أن يعيش حياة كاملة يمنعه من عيش حياة مُرضية.. لتضيع نفوسنا وسط الكثير من الرغبات التي تشبه السحر!

هذا باختصارٍ، ما خرجت به من هذه الرواية..


لقراءة أجمل اقتباسات مياه الربيع من هنا


بعض المعلومات عن رواية ” مياه الربيع “:

  • تأليف: إيفان تورغينيف.
  • عدد الصفحات: 174.
  • ترجمة: سامي الدروبي.
  • دار النشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة.
فيلم مياه الربيع-  Torrents of Spring (1989)
فيلم مياه الربيع- Torrents of Spring (1989)

لقراءة المزيد من المراجعات الأدبية لأكثر الكتب تأثيرا : يمكنك الاشتراك في النشرة البريدية ليصلك أجدد محتوى حصري.. ومتابعة المدونة على موقع فيسبوك، يوتيوب.


تنبيه:

جميع الحقوق محفوظة لمدونة Ahmad’s bookmovels.. ولا يحق نسخ النص أو استخدامه بأي شكل من الأشكال دون الرجوع إلى الكاتب.

3 أفكار عن “مراجعة رواية مياه الربيع لإيفان تورغينيف || حكاية كل رجل ضعيف!”

  1. Pingback: أفضل 10 كتب قرأتها في عام 2020! | كتب | أفلام | روايات | ahmad's bookmovels

  2. Pingback: رواية في كل أسبوع يوم جمعة | الوجه الآخر للإنترنت أم للحياة؟ | كتب | أفلام | روايات | ahmad's bookmovels

  3. Pingback: كتاب التكيف النفسي|| كيف تفهم حالتك النفسية؟ – كتب | أفلام | روايات | ahmad's bookmovels

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: