اللغة العربية

هل يمكن جعل اللغة العربية الفصحى لغةً محكيّة؟ | أسباب ضعف اللغة العربية

وجدتُ سؤالا على منصة كورا وهو ” هل جعل اللغة العربية الفصحى لغة رسمية لدولة ما قابل للتحقيق؟” ولأنني مهتم باللغة العربية اهتمامي بالوصول إلى حلٍ منطقي لما نعانيه كناطقين بها أو حتى ككتاب.. ومَن يكتب أعمال مسرحية أو رواية أو حتى القصة القصيرة، سيدرك ما أقصده من حيرة.. خاصة حين يكتب الحوار بين الشخصيات، أيستخدم العامية باعتبارها الواقع؟ أم يستخدم الفصحى باعتبارها اللغة المكتوبة رسميا؟؟

لذلك وودت لو أحاول دمج سؤال كورا بسؤال المقال وهو ” هل يمكن فعلًا أن نتكلم باللغة العربية الفصحى في يوم من الأيام؟؟” وما هو وضع اللغة العربية الحالي؟


دعني أوضح أمورًا هامة قبل مباشرة الإجابة..

أولا:

اللغة العربية لغةً رسمية في جميع الدول العربية البالغ عددها 22دولة. كما تعتبر لغة لها وضع خاص في عدة دول من بينها إيران، وباكستان، وإسرائيل. [1]

هل يمكن جعل اللغة العربية الفصحى لغةً محكيّة؟؟
الدول بالأخضر تعتبر فيها اللغة رسمية بحكم الأغلبية، أما الأزرق الغامق فتعتبر لغة رسمية كأغلبية مشتركة. (المصدر: ويكيبيديا)

ثانيًا:

  • لنكن واقعيين، فكرة تحدث الناس في الشارع باللغة العربية الفصحى في دول معينة هي فكرة بعيدة عن الواقع تماما.. ولا يمكن قبولها بتاتا في بعض الدول “العربية”!!!
  • ليس لأن الحكومة تتبرأ منها، ولكن لانفصال العامة عن اللغة انفصالًا حادًا وشاملًا.  من الممكن أن يتحقق الحديث بالفصحى في الخليج العربي، أو سوريا مثلا.. بصعوبة أقل إذا قورنت تلك الدول بمصر على سبيل المثال أو دول شمال أفريقيا عمومًا.. لهذا، آراه أمرا مستبعدا في الوقت الحالي.

ثالثًا:

  • -الاتجاه العالمي الآن يولي وجهه نحو الإنجليزية.. وفرض تعلمها من الصغر، الإصرار على اتقانها للقبول في الوظائف، نظرة المجتمع لمتحدثيها، وغيرها من العوامل المهمة التي تجعل من غير الممكن أن يستبدل هذا الإتجاه بطرق تقليدية، خاصةً في الدول ذات الاقتصاد الهشّ (مثل أغلب الدول العربية).

  • لذلك يتوجب على أي دولة مستاءة من الحديث بلغة لا تكتبها أو العكس، أن تسعى لتقليل هذه الفجوات..وتشجع حركة الترجمة ونشر العلوم.. وبالتأكيد رفع ميزانية التعليم والبحث العلمي. (هذه الأمور لا يمكن التنازل عنها أبدًا)
هل يمكن جعل اللغة العربية الفصحى لغةً محكيّة؟؟
إمبريالية لغوية (المصدر: ويكيبيديا).
  • كما أنني لا أرى نفعا في “رمي” اللهجات العامية تماما بكل ما تحمله من رواسب وثراء حضاري في أقرب سلة قمامة و “يلا” نتكلم الفصحى.. إن هذا الحل الجذري يفقدنا مئات السنين من التأثيرات الحضارية والثقافية والمميزات الاجتماعية..

وتلك الخصوصية اللغوية، تزيد من ثراء الوطن العربي. لذلك استيعاب ودمج هذه التأثيرات بما يجعلنا نخرج بصورة مثلى من هذا الدمج سيكون أفضل خيار متاح.. وسيجنبنا تبعات التغييرات الجذرية المخيفة والدعوات التغريبية أو التليدة المتطرفة!

  • ولا أعتقد أن في يوم من الأيام، يمكن أن تكون اللغة التي نتكلم بها هي نفس اللغة التي نكتب بها تماما. حتى في اللغة الإنجليزية[2] .. هناك ما هو رسمي (formal) وما هو غير رسمي (informal).

إذا وباختصار كل ما يمكننا البحث فيه والسعي إليه هو تقليل الفجوة وإلغاء أي غزو فكري أو تهديد ثقافي يذوب الهويات ويخضعها لإمبريالية لغوية. [3]


رابعًا:

تعبتك معي وأطلب عليك… لنعود إلى الإجابة بوضوح:

  • لن يتجه العامة إلى الحديث بالفصحى إلا إذا اتجهت ورسخت الحكومة بدعمها اللغة عن طريق التعليم الأساسي خاصة.
  • لن يتجه العامة إلى الحديث بالفصحى إذا ما وجدوا قواعدها مجرد “زينة” شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع كما هو الآن.
  • لن يتجه العامة إلى الحديث بالفصحى دون تطبيق عملي لها في مناحي الحياة المختلفة والتي يجب أن تشمل بشكل أساسي:
  1. الحياة التعليمية، من مناهج علمية وأدبية وفنية لتغطي الفصحى جميع فروع العلم والمعرفة التي وصل إليها العالم الآن ترجمة مناسبة وقوية وحية.
  2. طلب اللغة العربية الفصحى كمطلب وظيفي أساسي للعمل أيا كانت الوظيفة.
  3. بعث الأغاني والمسلسلات والأفلام (الأسلحة الناعمة) باللغة العربية الفصحى، وأن تتوفر في هذه الأعمال الحداثة والعصرية.
  4. التشجيع على القراءة وعمل مسابقات باللغة العربية الفصحى في شتى المجالات (لا تقتصر على الأدب والدين)
  5. لن يتجه العامة إلى الفصحى إذا ما رأوا أن هذا يسلبهم ما يفتخرون به.. لذلك إدخال بعض الخصائص على اللغة العربية الفصحى شيء مهم وضروري لاستيعاب تغيرات المجتمع.
  • ببساطة لن يتجه العامة إلى الفصحى إذا وجدوا إمكانية الاستغناء عنها. وهو ما نراه هنا.. لذلك سن قوانين تجعل الحديث والكتابة بالفصحى من أولوياتها سيأتي بخير بشرط واحد: أن يتم تهيئة العامة -عن طريق الوسائل سابقة الذكر- قبل البدء في التنفيذ.

خامسًا:

  • من تجربة شخصية، كان يرهقني حديثنا بلغة لا نقرأ بها.. وبقراءتنا بلغة حية فقط في المجلدات والأشعار! وفكرت في حلول جذرية رهيبة لا تتناسب والمنطق في شيء مستلهما أفكاري من تجربة تركيا العلمانية في تحولها اللغوي والسياسي في حقبة أتاتورك (1923) وما تبعه من قومية تركية بارزة والسعي الحثيث لجعل اللغة التركية شيئا خاصا غير خاضع للعربية والفارسية..
  • لكن عدم تهيئة العامة- أو بعض العامة- في تركيا أدى إلى اضطهادات واسعة وخسائر بشرية..
  • لكن على العموم، بفضل القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى في مواقع التواصل (من بينها كورا ورقيم) ومدونتي.. وجدت نفسي بلا أي دفعة خارجية أو داخلية.. أتحدث مع نفسي بالفصحى..
  • بت أفكر بالفصحى في كثير من الأوقات دون تعمد.. بل إنني وجدت نفسي مرة.. أكتب مهامي اليومية بالفصحى (ولقد آلفت كتابتها بالعامية أو الإنجليزية) دون أدنى وعي مني!

تعجبت! وابتسمت ابتسامة غريبة.. لقد عشت مع الفصحى وقتا حتى امتزجت بها بصورة باطنية.. مما يؤهلني لتقبل فكرة الحديث بها مع أحد دون خجل وينفي اغترابي عنها.

لقد استطعت التخلص من الصورة النمطية التي رُسخت بطريقة ذكية بأن الفصحى لغة “قريش” المخيفة كما صورها لنا تلفازنا العظيم وهيا بنا” لنأخذ من كل رجل قبيلة!” لا من فضلك قلها بصوت اللمبي.. قبيلللللللة!

نموذج من الصور النمطية في الأفلام عن التحدث باللغة العربية الفصحى.

لقراءة المزيد من المقالات : يمكنك الاشتراك في النشرة البريدية ليصلك أجدد محتوى حصري.. ومتابعة المدونة على موقع فيسبوك، يوتيوب.. آه، ولن تنسَ قراءة المقالات السابقة!

الهوامش

[1] List of countries where Arabic is an official language – Wikipedia

[2] Formal and informal language

[3] إمبريالية لغوية – ويكيبيديا

تنبيه:

جميع الحقوق محفوظة لمدونة Ahmad’s bookmovels.. ولا يحق نسخ النص أو استخدامه بأي شكل من الأشكال دون الرجوع إلى الكاتب

فكرتين عن“هل يمكن جعل اللغة العربية الفصحى لغةً محكيّة؟ | أسباب ضعف اللغة العربية”

  1. “بت أفكر بالفصحى في كثير من الأوقات دون تعمد”، بدأت بإدخال بعض الكلمات الفصحى داخل حديثي اليومي بشكل تلقائي، فقط لأنها في بعض الأحيان تكون الكلمة الأفضل للتعبير عن ما يجول في خاطري.
    شكرًا لك على المقال.

    1. هذا بالفعل ما أمرُ به أيضًا يا عبدالله!

      شكرًا على قراءتك.. ولكن هل سبق لك المرور بتجربة إدخال كلمات أجنبية في حديثك لأنها تُعبر بشكل أفضل عن معنى تريده؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: