العائش في الفقاعة!

خاطرة: العائش في الفقاعة!

” مؤخرًا، بت أكلم نفسي كثيرًا..

أعني أن هناك صوتًا في عقلي لا يصمت.. مهما حاولت ذلك. يحدثني الصوت في كل وقت.. في كل مكان.. في أي حدثٍ مهما كنت مندمجًا ( أو توهمتُ اندماجي!)

أذكر أنني كنت جالسًا مع صديق.. وكان يتكلم بلا توقف.. يتكلم حتى تعب الكلام منه.. وظللت أسرح في خيالاتي.. ذكرى تمر.. حدثٌ يظهر.. حدثٌ يختفي.. وبدت حتى محاولاتي لإيقاف هذا التدفق مستحيلة.. غير قابلة للنقاش.. وبلا تأثير يُذكر!

تخيلت شخصًا داخلي، تتطاير حوله الأفكار كفقاعات.. وعندما يحاول مسكها.. أنت تعلم ما الذي يحدث بعد هذا.. نعم.. تتبخر وتزور العدم..  أحدثك بكل صدق، كان عقلي سينفجر.. لربما كقنبلة أو كفقاعة.. لست متأكد. لكنني على يقين تام من أن صديقي لم يتوقف برهةً.. كما أنني متأكد – على الرغم من غرابة ذلك- أنه ليس السبب. فحتى حينما أكون وحيدًا.. لا صديق حولي يثرثر.. أو حدث أستقبله.. حينما أكون وحدي تماما.. تتأجج الأفكار داخلي.. تتأجج حقًا كنيران حتى تسخن دماغي.. لو أمسك بها شخص ما لحاول إطفائي!!

صوت عقلي صار خطرًا عليَّ حقا.. ليس لأن دماغي تشتعل- بالتأكيد ليس هذا هو الخطر الوحيد– أنا ما عدت قادرًا بأي شكل من الأشكال على التركيز مع أي شيء أو مع أي حدث خارجي.. كل الأشياء التي تجري خارج دماغي لا تلفت انتباهي.. مهما حاولت التظاهر، مهما تكلفت.. أنا حقًا لا أهتم..لا، بل أنا لا أستطيع أن أهتم!!

أشعر بالنفاق.. أهز رأسي كأنني أتفهم كل كلمة ينطقها أحدهم.. ويا للأسى.. أنا لم أستمع إلى حرف.. قد كنت أخوض معركةً داخلية بيني وبين الأفكار.. بيني وبين الفقاعات.. بيني وبيني!!

في يوم ما، قررت التوقف.. وأن أستمع مُجبرًا نفسي على الإصغاء.. ومع أول حرفين، انطلقت المعركة.. أمسك فقاعات.. أسمع همهمات خارجية.. أهز رأسي.. بل صرت أضحك كثيرا أو أبكي ويسألني الناس عن حالي.. فأجيب لم يحدث شيء. هل تعلمون أن المحزن في الأمر هو أنه لم يحدث شيء؟! أنا أعيش في دماغي.. عيشةً صعبة.. مريرة.. كل الملذات والآلام لم تعد سوى انعكاس لتلك الفقاعات التي أحاربها. يا وجع القلب.. هذا الوجع الخانق الذي يحد من إمكانياتي.. هذا الوجع الفاضح الذي يؤلمني.. متى ينتهي؟

ما زال يمكنني أن أحب الفقاعات حتى ولو كنت العائش في الفقاعة!
ما زال يمكنني أن أحب الفقاعات حتى ولو كنت العائش في الفقاعة!

لا أحب أن أبدو جبانا.. لا أحب أن أبدو منافقا.. ولهذا أستمر في معركتي وأستمر في هز رأسي.. ويستمر صديقي في الكلام. كل شيء أمامي لا يتوقف. كل شيء داخلي لا يهدأ. وما رغبت في الراحة الأبدية مثل ما رغبت في تلك اللحظة.. ما أشدها من رغبة، وما أصعبه من إحساس.. ألا تكون قادرا على الاهتمام.. ألا تكون قادرًا على التوقف.. ألا تكون قادرًا حتى على الصمت!


إقرأ أيضًا: مجنونة الغرفة المظلمة (قصة قصيرة)



واليوم، أحسست وأنا أقاوم الفقاعات بأن فقاعةً كان بداخلها فكرة عن الأمل أو الألم.. لا أتذكر تحديدًا شكل الحروف لأنها فجأة تلاشت حينما لمست عيني اليمنى كأنها لم توجد. وفي تلك اللحظة تحديدًا، وجدت بقعة سوداء كبيرة، فجوة.. حفرة.. سواد عظيم دائري.. في مجال رؤية عيني اليمنى.. لا أقصد الشخص الخيالي داخلي، بل أقصد وأقسم.. أنني للحظات عميت من منتصف عيني اليمنى وظللت أغمض عيني كثيرا لعلها تعود إلى حالتها الأولى.. حتى عادت!

شعرت بالرعب والامتنان.. والخوف من أن أمر بهذا الإحساس مجددًا.. إن الإنسان قد يصبح خطرًا على نفسه! لا بل إنه لمن السفاهة أن يشك أو يجادل أحد في ذلك… إن الخطر هو الإنسان.. وما أشد هذا الخطر وأثقل حمله حينما يعيش المرء في مثل حالتي؟ داخل مخيلته يحارب الفقاعات؟؟ رباه! ما أبشع الوهم الذي نحاربه أو نأمله؟؟ بين وهمين.. فقاعة داخلية.. وثرثرة خارجية.. لا شيء حقا يلفت الانتباه!!

أن تكون عاجزًا عن فهم ما تمر به.. في نفس وقت اصابتك به.. لهي قمة العجز والانحاط.. المعنى الحقيقي للعبودية.. هل تدري؟ لا يهم الفهم ولا أريد أن أفهم.. يكفيني فقط أن يتوقف هذا الشيء.. هذا الصوت اللعين.. وهذه المعركة السخيفة.. يكفيني فقط أن أنام.. وأن أرى شيئا خارجيا يلفت الانتباه…

انتظر! هناك فقاعة زاهيَّة لم أرى مثلها قط.. فقاعــ.. قــاع… “

_______________

لقراءة المزيد من الخواطر : يمكنك الاشتراك في النشرة البريدية ليصلك أجدد محتوى حصري.. ومتابعة المدونة على موقع فيسبوك، Quora، ورقيم.


تنبيه:

جميع الحقوق محفوظة لمدونة Ahmad’s bookmovels.. ولا يحق نسخ النص أو استخدامه بأي شكل من الأشكال دون الرجوع إلى الكاتب.

3 أفكار عن “العائش في الفقاعة!”

  1. Pingback: قراءة الروايات: هل لها فائدة حقًا؟ | 8 فوائد أنت بحاجة إليها ستكتسبها من قراءة الروايات

  2. Pingback: ما القيم الإنسانية التي تود أن تتذكرها وتقوم بتطبيقها في حياتك؟ | أفضل القيم الإنسانية! | كتب | أفلام | روايات | ahmad's bookmovels

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: