أسباب ضعف السينما المصرية

لماذا السينما المصرية ليست في المستوى العالمي رغم تاريخها؟ || أسباب ضعف السينما المصرية

على الرغم من أن تاريخ السينما المصرية عريق حيث بدأت السينما في مصر بمجرد انطلاقها في العالم. حيث كان أول عرض سينمائي في مدينة الإسكندرية 1896 م ثم توالت العروض في القاهرة وبورسعيد إلا أنني أخجل من الحال التي وصلت عليه.

بمناسبة تاريخ بدء السينما في مصر، يعتبر المؤرخون السينمائيون أن بدايتها الفعلية كانت في عام 1907 نظرًا لأنه كان بداية الإنتاج السينمائي المصري [1]. على أي حال، ما يهمنا أنه على الرغم من هذه السنوات الطوال إلا أن وصول الأفلام المصرية إلى العالمية شبه معدوم.

 ضِف على ذلك غياب السينما المصرية من المنافسة في الجوائز العالمية كالأوسكار والسفعة الذهبية مع أنه هناك إنتاج وتاريخ وتمثيل، فما الذي يجعل السينما المصرية متواضعة وغير ناجحة عالميًا؟

هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا المقال، تابع معي.

السينما المصرية الحالية: سينما تجارية وموسمية

لماذا السينما المصرية لا تصل إلى العالمية؟

أغلب الأفلام المصرية أفلام تجارية، ما معنى تجارية؟

هي أن تجلس مفكرًا مع نفسك كيف تربح المال من خلال مخاطبة أكبر شريحة من الجمهور التي ستدفع مقابل هذا العمل. وبما أن ثقافة الجمهور الذي سيدفع الأموال هنا تميل إلى الأفلام الكوميدية أو الأفلام الرومانسية مع بعض اللقطات المثيرة كالرقص والمشاهد الساخنة والحوارات التي يُمكن التقاطها وتكرارها حتى خارج نطاق الفيلم، فثقة بالله نجاح لهذا الفيلم.

لنقم بإحصائية بسيطة، لعلك لاحظت أن السينما (وحتى الدراما) في مصر موسمية، أي تعتمد على مواسم كعيد الفطر والأضحى أو شم النسيم وهكذا. وهذا لأنه من المتوقع أن يدخل العديد من الناس السينما في هذه الأوقات، لكن السؤال هنا مَن يدخل السينما في مصر تحديدًا في هذا الوقت؟

  • الشباب والفتيات: يتفق معظم المراهقين الشباب مع أصدقائهم حول معاد فيلمٍ معين، ويذهبون إلى مشاهدته. لن يهتم هؤلاء الشباب بعمق الفيلم أو واقعية الفكرة أبدًا. كل ما هنالك كم سيضحكهم؟ وهل به لقطات جريئة أو رومانسية أو جرعة من الأكشن؟ هل به فتاة جميلة أو أغنية شعبية ستكسر الدنيا؟
  • العائلات: هم يتواجدون بنسبٍ أقل، ويميلون إلى مشاهدة الأفلام الكوميدية وفقط.

إذا الجمهور الذي يتوقع منه الدفع لا يهتم بأي قضايا عميقة أو إنسانية. الأمر الذي يُعرقل صناعة محتويات أكثر عُمقًا واتصالًا مع القضايا الواقعية.

السينما المصرية والخوف من مواجهة الواقع

السينما المصرية في وقتها الحالي تقليدية جدًا، تخلو تمامًا من القصص القوية والمواجهات المباشرة مع الواقع.. إنها لا تنقل أي صور دقيقة عن الحياة هنا ولا عن الاضطرابات التي يمر بها الإنسان. ومن الصعب أن تصل أي سينما خجولة وضعيفة القصص والإخراج إلى مستوى عالمي.

نقطة إضافية أيضًا أراها في الأفلام المصرية هي المبالغة، فمثلًا يجب أن يحدث في الأفلام خيانات أو أحداث قتل أو سرقة أو نصب أو قضايا عنف.. بينما الواقع غني بالقصص الكثيرة التي تلمس كل إنسان وتناقش فكره وروحه غير هذه الأمور التي ينحصر حدوثها في فئة قليلة، لذا يجب أن تُمثل بنسب قليلة أيضًا.

والخوف والمبالغة يضعف من فرص وصول الأفلام المصرية إلى العالمية. إذ أن أكثر الأفلام تسويقًا ونجاحًا في مصر كما أشرت بالأعلى هي أفلام الكوميديا والأكشن، ونادرًا ما سينجح فيلم كوميدي من ثقافة مختلفة ليصل إلى إنسان يتحدث بلغة أخرى غير لغة الفيلم لا يفهم إشاراتها أو تلميحاتها.

وإذا كان على أفلام الحركة والأكشن في السينما المصرية فهي لا تزال بدائية وضعيفة إذا قارناها بالإنتاج الأمريكي أو الأوروبي أو حتى الهندي. ما يجعل من عملية انتشارها خارج رقعة استهدافها ضربًا من التوقع الخيالي.

نقل الواقع المبتذل في السينما المصرية

على سبيل المثال، دعنا نقرأ قائمة أعلى الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية، ولتختر لي فيلمًا واحدًا فقط كانت قصته إنسانية واقعية أو عُرضت دون مبالغة.

هذه أعلى 10 أفلام دخلًا في السينما المصرية بعد معادلة التضخم:

  1. صعيدي في الجامعة الأمريكية (كوميدي)
  2. همام في أمستردام (كوميدي)
  3. اللمبي (كوميدي)
  4. بوحه (كوميدي)
  5. جاءنا البيان التالي (كوميدي)
  6. اللي بالي بالك (كوميدي)
  7. إسماعيلية رايح جاي (كوميدي)
  8. الفيل الأزرق 2 (دراما وغموض)
  9. عوكل  (كوميدي)
  10. الناظر (كوميدي)

جميع الأفلام سابقة الذكر كوميديا، والفيلم الوحيد الخارج عن القاعدة هو فيلم الفيل الأزرق 2 (2019)، وهو فيلم جيد بالمناسبة. ما يُعطي بادرة أمل للسينما المصرية. لكن بالحديث عن القاعدة وهي (الأفلام المصرية الناجحة هي الأفلام التي تجعل الشعب ينسى همومه بأي طريقة كانت لا أن تحثه على التفكير فيها أو تعاطف مع غيره).

المهم هنا أن الأفلام العالمية هي على العكس تمامًا، هي أفلام تنقل الواقع بصدق وبقصة محكمة لكي تحث المرء على التفكير والتعاطف والمشاركة. وهو ما سيدفعني أن أقارن في الفقرة القادمة بين السينما المصرية والسينما الإيرانية.

مقارنة بين السينما الإيرانية والسينما المصرية: لماذا الفارق إلى هذا الحد؟

على الرغم من أن البداية الفعلية لتاريخ السينما الإيرانية 1930 مع إنتاج أول فيلم إيراني (آبي ورابي) إلا أن السينما الإيرانية تسرق الأضواء كثيرًا في المهرجانات العالمية، فلقد فازت إيران بجائزتي أوسكار عن فيلميها انفصال (2011) والبائع(2016) وكلاهما من إخراج أصغر فرهادي. ضِف على ذلك العديد من الجوائز العالمية الأخرى.

ما يجعني أعقد المقارنة هو التضييق القوي على السينما الإيرانية والرقابة الشديدة. ولكن على الرغم من هذا نجحت السينما الإيرانية في الوصول إلى العالمية، بينما- ومع الكثير من التسهيلات (إذا قورن بالسينما الإيرانية)- نرى السينما المصرية عاجزة عن تحقيق ذلك.

في إجابتي على منصة كورا عن سبب نجاح الأفلام الإيرانية على الرغم من خلوها من المشاهد الجنسية، أشرتُ إلى أن السينما الإيرانية إنسانية في المقام الأول، فهدف كتابها ومخرجوها نقل واقع حياتهم في هجاء غير صريح وفي صورة صراع فلسفي عميق مع نهاية مفتوحة.

لكن السينما المصرية نادرًا ما تتجاوز الكوميدية والرومانسية وبعض مشاهد تحطيم السيارات ونهاية سعيدة أو واضحة لا تتعب أحد.

اقرأ أيضًا: مراجعة الفيلم الإيراني طعم الكرز|| هل الانتحار هو الحل؟

 غياب الثقة والخوف من المواجهة يعوقان السينما المصرية

أتمنى أن نجد سينما مصرية حقيقية، لكن لا أعتقد أن المخرجين والكتاب يثقون في الشعب لإنتاج مثل هذه السينما، إذ يتخوف معظمهم من فشل أفلامه وبالتالي الحكم على مسيرته بالانتهاء.

 ولا الشعب يثق في السينما حتى يتقبل منها أعمالًا حقيقية، إذ تعتبرها الشريحة الأكبر دعارة مُقننة وُجدت من أجل الفاسدين أو في أحسن الصور مجرد رفاهية غير ضرورية الآن أو في أي وقت آخر. ولا صناع القرار في السينما المصرية سيرضون بهذا التواصل  بين السينما والشعب.

عوامل ضعف السينما المصرية|| الحالة الاقتصادية والفكرية للشعب

كما أن الحالة الاقتصادية لا تشجع الأعمال الفلسفية والعلمية والإنسانية والعميقة والتاريخية، لأن المجتمع المهتم بهذه القضايا لن يدفع أمواله في السينما. ضِف على ذلك إغلاق العديد من دور العرض في المحافظات المختلفة[2]، وقِلة السينمات خارج نطاق المدن، وضعف الحالة المادية.

الخوف من المجازفة وعدم إنتاج أفلام مصرية على منصات مستقلة

نتفليكس والسينما المصرية

وإذا نظرنا إلى إنتاج أعمال مستقلة تُنشر على شبكة الإنترنت كبديلٍ على السينما، سترى أن المنتجين والمخرجين لا يثقون بمثل هذه الأعمال وما زالوا يحاولون السير في الطُرق التقليدية.

لا أتذكر نجاح عمل من الأعمال المنشورة على منصات الإنترنت غير مسلسل «في كل أسبوع يوم جمعة» والذي لم يلقَ حتى رواجًا كافيًا. أما عن مسلسل ما وراء الطبيعة، فلا أستطيع أن أُجزم بنجاحه كعملٍ فني إذ أنسب فضل شهرته إلى كاتبها أحمد خالد توفيق والسلسلة الأدبية المقتبس منها  (بعيدًا عن أنني أراه ضعيف الحبكة).

ولاحظ أن هذه مسلسلات وليست أفلام، ما يعني أن الطريق إلى إنتاج أفلام بهذه المنهجية سيكون غاية في الصعوبة. ومع غياب سياسات التشجيع من قبل صناع القرار، ستكون السينما التي ستستمر هي القادرة على تغطية تكاليفها والربح منها، لذا تنجح أعمال «السبكي» [3].

ترشيحات بعض الأفلام المصرية الجميلة وسط الكثير من الهراء

على الرغم من كل ما سبق، هناك بعض الأفلام المصرية الهامة  في تاريخ السينما المصرية الممتد- لكن للأسف لا تصلح أن تكون قاعدة- وإليك الأمثلة على بعض الأفلام المصرية التي تستحق أن تشاهدها:-

  • فيلم أسماء
  • فيلم نور الدين
  • الريس عمر حرب
  • المومياء
  • أرض الخوف
  • الفيل الأزرق بنسختيه

كلمة أخيرة

نحن نرتبط بالفن، لأنه يجعل الإنسان أكثر تعاطفًا ورؤية.. وإذا لم يكن للفن دورًا في تهذيب الإنسان، فلن يكون بفن. والسينما المصرية (أو أي سينما عمومًا) جزء من الثقافة العامة،فإذا لم يكن هناك ثقافة، فهل سيكون هناك سينما؟ لذا آمل إنتاج أفلام سينمائية مصرية عالمية نستطيع أن نخلق بها فضولًا عن ثقافتنا ورؤيتنا هنا، لا مُجرد مواسم نحاول أن نصطاد بها أضعف الأشخاص من أجل أن نأكل أكثر.

هذه مقالتي الـ 51، أقدر قراءتك بعمقٍ، وآمل أنك تقضي وقتًا ممتعًا هنا. إذا أحببت ما أقدمه، يمكنك أن تعزمني على كوب قهوة من هنا حتى أستطيع الاستمرار في تقديم محتوى مجاني وجيد.

الهوامش

[1]: مئوية السينما المصرية.. بين تاريخ جلل وواقع مرير

[2]: “انتهى العرض”… صعيد مصر بلا دور سينما ومسرح

[3]: المنتج محمد السبكي: “رجل هز عرش مصر” بأفلامه الشعبية

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: